يرى الدبلوماسي الإيطالي السابق ماركو كارنيلوس أن الشرق الأوسط، بعد نحو ثلاثة أعوام من هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 والحروب التي تلته، لم يعد ينقسم بوضوح بين المحورين اللذين رسما ملامح المنطقة لعقود، مع بروز ملامح قطب ثالث تقوده السعودية وتركيا وباكستان، وتدور في فلكه بدرجات متفاوتة قطر ومصر والإمارات.


ويطرح موقع ميدل إيست آي، في مقال رأي كتبه ماركو كارنيلو قراءة للتحولات الجيوسياسية التي يشهدها الشرق الأوسط، ويرى الكاتب أن اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا قد يصبح عاملًا أكثر تأثيرًا في مسار المنطقة من القرارات التي تتخذها واشنطن أو تل أبيب أو طهران.


اتفاق مكة يرسخ محورًا سنيًا جديدًا


لطالما تمحور خط الانقسام الإقليمي حول «محور المقاومة» الذي تقوده إيران، ويضم حزب الله والحوثيين وجماعات مسلحة عراقية وسوريا في عهد نظام بشار الأسد، في مواجهة ما يمكن وصفه بـ«السلام الأمريكي» الذي قادته إسرائيل والولايات المتحدة عبر منظومة غير رسمية من الردع والتطبيع والتفوق العسكري، إلى جانب اتفاقيات أبراهام وما رافقها من ازدواجية في المعايير وانتهاكات للقانون الدولي واستخدام مفرط للقوة.


لكن قطبًا ثالثًا قد يكون في طور التشكل حاليًا، ويتمثل في «محور سني» تتصدره الرياض وأنقرة وإسلام آباد، بينما تتموضع الدوحة والقاهرة، وبدرجة أقل أبوظبي، على أطرافه.


ولم يكن هذا التكتل حتى وقت قريب تحالفًا رسميًا، إذ لم يحمل ميثاقًا أو اسمًا معتمدًا. لكن إذا مضت أطرافه في ترسيخه، فقد يعيد تشكيل ميزان القوى في المنطقة بصورة أكثر استدامة من المحورين السابقين.


وفي 7 أغسطس، اتخذت باكستان والسعودية وتركيا الخطوة الأولى نحو إضفاء طابع مؤسسي على هذا التفاهم غير الرسمي عبر اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي ينص على ضمان أمني جماعي شبيه بحلف شمال الأطلسي.


وتشير القراءة إلى أن أحداث 7 أكتوبر 2023 والحروب التي اندلعت بعدها أضعفت في الوقت نفسه الروايتين المرتبطتين بـ«السلام الأمريكي» و«محور المقاومة».


وأثبتت إيران وحلفاؤها قدرتهم على إحداث صدمات ومواصلة ممارسة ضغط غير متماثل، لكن ذلك جاء بتكلفة باهظة. فقد فقد حزب الله جزءًا كبيرًا من هيكله القيادي، وتراجع مخزونه من الأسلحة بفعل العمليات الإسرائيلية التي انتهت إلى وقف إطلاق نار هش، بينما انهار نظام الأسد، الذي شكل قاعدة عمليات متقدمة لإيران في بلاد الشام لنحو نصف قرن.

 

وفي غزة، تعرض الجناح العسكري لحماس لضربة قاسية خلال حرب أودت بحياة عشرات الآلاف وتركت القطاع مدمرًا، بينما ألحقت الحرب أضرارًا كبيرة بصورة إسرائيل على المستوى الدولي.


وفي المقابل، لم يثبت «السلام الأمريكي» قدرته على العمل كإطار للاستقرار. واتسمت استراتيجية واشنطن في عهد الرئيس دونالد ترامب بطابع صفقي أكثر من كونها مشروعًا لبناء منظومة إقليمية، إذ ضغطت على حماس وإسرائيل للوصول إلى وقف إطلاق النار، وأنشأت «مجلس السلام» لإعادة إعمار غزة، كما مارست ضغوطًا قوية على العواصم الخليجية لتوسيع نطاق اتفاقيات أبراهام، بل طرحت احتمال انضمام إيران إليها مستقبلًا.


كما أخفقت إسرائيل في تحقيق أهداف الحرب التي أعلنتها في غزة ولبنان وإيران. وفي التعامل مع طهران، تتأرجح السياسة الأمريكية بين وعود بالحوار وتهديدات باستخدام القوة، من دون استراتيجية واضحة أو تصور ثابت لقدراتها العسكرية.


ويرى كارنيلوس أن سلوك إسرائيل نفسه ساهم في دفع دول الخليج نحو إعادة النظر في حساباتها الأمنية، خصوصًا بعد الضربة التي شنتها إسرائيل على الدوحة في سبتمبر 2025 واستهدفت قيادات في حماس على الأراضي القطرية.


وأقنعت الضربة دول الخليج بأن الضمانات الأمنية الأمريكية ربما لا تمتد إليها عندما ترى إسرائيل أن تهديدًا ما يستدعي تنفيذ عملية داخل أراضيها.


ويضيف الكاتب أن ضرب دولة عضو في حلف شمال الأطلسي وتستضيف أكبر قاعدة عسكرية إقليمية في المنطقة، من دون أن تترتب على ذلك عواقب، يجعل الردع القائم على التعهدات الأمريكية وحدها موضع سخرية.


السعودية وتركيا وباكستان تعيد حسابات القوة


من هذه الصدمات المتعددة، وليس من أيديولوجيا مشتركة، يستمد المحور الجديد تماسكه. فالإسلام السياسي في تركيا، والبراغماتية السلطوية في السعودية بعد «رؤية 2030»، وواقعية دولة الحامية العسكرية في باكستان، لا تجمعها أرضية أيديولوجية واحدة.


ويشكل اتفاق الدفاع المشترك السعودي-الباكستاني الموقع في 2025، عقب ضربة الدوحة، أساس هذا الترتيب. ويضع الاتفاق، بصورة غير رسمية، القدرات النووية والصاروخية الباكستانية ضمن مظلة أمنية متاحة للسعودية.


وبالتوازي، تحركت تركيا تدريجيًا نحو الانضمام إلى هذا الإطار، مستفيدة من امتلاكها ثاني أكبر جيش داخل حلف شمال الأطلسي ومن قاعدة صناعات دفاعية توفر الطائرات المسيّرة وأنظمة بحرية وبرية لدول المنطقة.


وتكتمل هذه التحولات الجيوسياسية من الخارج عبر مصر وقطر. فمصر تسيطر على قناة السويس وتمتلك أكبر جيش عامل في العالم العربي، بينما توفر قطر قوة مالية وقنوات وساطة واسعة مع حماس وواشنطن وطهران.

 

أما أبوظبي، فتراقب المشهد من مسافة محسوبة، في ظل تنافسها المستمر مع الرياض على قيادة الاقتصاد الإقليمي في مرحلة ما بعد النفط، إلى جانب تعاونها الأمني مع إسرائيل.


ويملك الإماراتيون أسبابًا تدفعهم إلى الانضمام إلى هذا الترتيب، كما يملكون أسبابًا أخرى تجعل البقاء خارجه ومراقبة تطوراته خيارًا أكثر أمانًا، خصوصًا في ظل حالة التقلب التي تشهدها المنطقة.


ولا يستند هذا التكتل إلى صداقة عميقة بين أطرافه. فعلى مدى سنوات، توترت العلاقات التركية السعودية بسبب مقتل الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018. لكن ما يجمع العواصم الثلاث هو حساب براغماتي متقارب.


وخلصت كل عاصمة، بصورة مستقلة، إلى أن حرب الوكلاء الإيرانية من جهة، والنظام الإسرائيلي-الأمريكي القائم على القوة وحدها ومنح الأولوية لإسرائيل من جهة أخرى، لا يوفران استقرارًا طويل الأمد أو وضعًا إقليميًا مقبولًا.


وتكثفت التدريبات العسكرية المشتركة خلال العام الحالي، مع مشاركة قوات جوية تركية وباكستانية في تدريبات تقودها السعودية، وتعاون بين القوات الخاصة المصرية والباكستانية، إلى جانب دورات تخطيط متعددة الأطراف شاركت فيها الجيوش الأربعة.


لكن ذلك لا يعني أن المنطقة تتجه بالضرورة نحو «حلف ناتو إسلامي»، على الأقل في الوقت الراهن، رغم بند الدفاع المشترك. وتظل الشكوك بشأن تماسك التكتل قائمة، إذ تتنافس تركيا والسعودية على قيادة العالم السني، بينما تراجعت حماسة باكستان مع توسع الدور التركي.


ومع ذلك، بدأ هذا التكتل، حتى باعتباره احتمالًا وليس حقيقة مستقرة، في إعادة صياغة حسابات طهران ونيودلهي وتل أبيب وواشنطن.


إعادة اصطفاف إقليمي تقوم على إدارة المخاطر


ما يميز هذا المحور عن سابقيه هو رفضه تقديم بديل أيديولوجي شامل. فهو لا يدعي تمثيل الإسلام السياسي بالطريقة التي تقدم بها إيران نفسها بوصفها ممثلة لـ«المقاومة»، كما لا يعرض وعدًا حتميًا بالاندماج داخل نظام تقوده الولايات المتحدة، على غرار ما سعت إليه اتفاقيات أبراهام.


وتتحرك دول المحور عبر سياسة تحوط متزامنة. فالسعودية تبقي قناة مفتوحة أمام احتمال التطبيع مع إسرائيل، بينما تبني في الوقت نفسه ضمانة أمنية نووية في مواجهتها، وتتجنب الانجرار مباشرة إلى تصعيد مدمر مع إيران.


أما تركيا، فتوسع حضورها في سوريا والعراق بالتزامن مع تراجع النفوذ الإيراني، من دون قطع علاقاتها الاقتصادية مع طهران، وتستعد لمواجهة الطموحات الإسرائيلية للهيمنة على المنطقة.


وتواصل مصر وقطر أداء دور الوسيط، تحديدًا بسبب عدم ارتياحهما للاعتماد على قوة راعية واحدة.


ويصف كارنيلوس هذا التحول بأنه إعادة اصطفاف تقوم على إدارة المخاطر لا على القناعة الأيديولوجية، إذ يمثل المحور محاولة للتحوط من ضمانات أمنية أمريكية غير موثوقة، ومنظومة إيرانية فقدت كثيرًا من قدرتها على تقديم نفسها كضامن إقليمي.


لكن هذه البراجماتية قد تشكل أيضًا مصدرًا رئيسيًا لاستمرار المحور، إذ يسعى إلى احتواء ما تبقى من قدرات إيران على استخدام الوكلاء، وردع إسرائيل عن شن هجمات أحادية الجانب على دوله، والحفاظ على قدر كافٍ من الاستقلال الاستراتيجي عن واشنطن لتجنب الانجرار إلى مواجهات لا تتوافق مع مصالح أعضائه.


ولا يعني ذلك أن المنطقة وصلت إلى الاستقرار. فما زالت إعادة إعمار غزة موضع نزاع، ويظل وقف إطلاق النار في لبنان هشًا، بينما تستطيع إيران، رغم تراجع قوتها، زعزعة الاستقرار عبر ما تبقى من شبكة حلفائها ووكلائها.كما تواجه دول المحور نفسها تنافسات داخلية، أبرزها التنافس التركي السعودي، إلى جانب المسافة المحسوبة التي تحافظ عليها الإمارات.


ومع ذلك، يمثل المحور، بوصفه مفهومًا لتنظيم العلاقات الإقليمية، شيئًا جديدًا بالفعل: ليس انتصار محور على آخر، وإنما ظهور طريق ثالث، إقليمي وبراغماتي وقائم صراحة على التحوط من طهران وسياساتها التغييرية، ومن طموحات إسرائيل التوسعية ذات الطابع العقائدي، ومن الالتزام الأمريكي المرتبك.


ويرى الكاتب أن هذا التكتل سينافس خلال العقد المقبل على تحديد معنى الاستقرار في الشرق الأوسط.


وفي الوقت الراهن، يؤدي اتفاق مكة دورًا لافتًا، إذ يسمح لمختلف الأطراف بإسقاط أكثر تصوراتها طموحًا عليه.


فإسرائيل وداعموها المتراجعون في واشنطن قد ينظرون إلى الاتفاق باعتباره خطوة مفيدة لتقييد النفوذ الإيراني في المنطقة. أما طهران فقد تراه دليلًا على أن القوى الإقليمية الكبرى تنظم صفوفها للخروج من المظلة الأمنية الأمريكية غير الموثوقة، ومواجهة الطموحات الإسرائيلية للهيمنة والتوسع.


وقد ترى تركيا في الاتفاق إطارًا مفيدًا للتعامل مع التوترات المتصاعدة مع تل أبيب.


أما السعودية، فقد يمثل التحالف بالنسبة إليها الخيار الوحيد للحفاظ على الوضع الراهن الذي ترغب في الإبقاء عليه، بينما يمنح باكستان فرصة لتعزيز مكانتها الدولية، مع التركيز على التحدي الاستراتيجي الأهم بالنسبة إليها، وهو الهند.


وبغض النظر عن النتيجة النهائية، يرى كارنلوس أن اتفاق مكة قد يكون أكثر تأثيرًا في تحديد مسار الشرق الأوسط من أي قرار تتخذه واشنطن أو تل أبيب أو طهران.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/how-pragmatic-axis-could-reshape-middle-east